روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
325
عرائس البيان في حقائق القرآن
سورة الحجرات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 1 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ : هذا وعيد لمن حكم بخاطره بغير علم بالفرق بين الإلهام والوسواس ، والكشف والخيال ، وهواجس النفس وخطاب العقل ، ولسان السر والنور بخردل من خرافات خاطره ، ويحكم بها من الجهل بكلام اللّه وسنة رسوله ، ويلزم المستمعين من أبناء جنسه أنها هي الحق ومقصوده الرياء والسمعة ، فإذا قال أحد ما قال اللّه ورسوله لا ينفكّ عما انتحله من إلقاء العدو وحديث النفس ، فيلزم عليه وعيد الحق وتحذيره بقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ عن عذاب البعد وعما يقوله ؛ فإنه تعالى سميع لقوله ، ويجازيه بأن يحرم عليه مقالة الحكمة ، عليم بنيته الكاذبة ، ويجازيه بالنار والشنار ، ولا يخلو الإنسان من هذه العلل النفسانية الشيطانية ، وإن كان صدّيقا فإنها مواضع الامتحان من قهر اللّه الذي قهر به عباده ، وفيه من الأدب للمريدين ألا يتكلموا بين يدي شيوخهم ، خاصة أنهم يتكلمون بالمعارف ؛ فإنه سبب سقوطهم من أعين الأكابر . قال سهل : لا يقولوا قبل أن يقول ، وإذا قال فأقبلوا منه منصتين له مستمعين إليه ، واتقوا اللّه في إمهال حقه وتضييع حرمته ؛ إن اللّه سميع لما يقولون ، عليم بما يعملون . قال بعضهم : لا تطلبوا وراء منزلته منزلة . [ سورة الحجرات ( 49 ) : الآيات 2 إلى 4 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 2 ) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 3 ) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 4 ) قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ : أعلمنا اللّه سبحانه بهذا التأديب أن خاطر حبيبه من كمال لطافته ومراقبته ، جمال ملكوته كان يتغير من الأصوات الجهرية ، وذلك من غاية شغله باللّه وجمع همومه بين يدي اللّه ، فإذا صوت أحد بالجهر عنده خاصة أن يكلم كان يتأذى قلبه من صوته ، ويضيق صدره من ذلك ، كأنه يتقاعد